للعبد أحد عشر مشهداً فيما يصيبه من أذى الخلق



للعبد أحد عشر مشهداً فيما يصيبه من أذى الخلق


ابن القيم





قال الإمام ابن القيم رحمه الله في مدارج السالكين:
وههنا للعبد أحد عشر مشهداً فيما يصيبه من أذى الخلق وجنايتهم عليه:

المشهدالأول: مشهد القدر:

وأن ما جرى عليه بمشيئة الله وقضائه وقدره، فيراه كالتأذي بالحر والبرد والمرض والألم وهبوب الرياح وانقطاع الأمطار، فإن الكل أوجبته مشيئة الله، فما شاء الله كان ووجب وجوده، وما لم يشأ لم يكن وامتنع وجوده، وإذا شهد هذا، استراح وعلم أنه كائن لا محالة فما للجزع منه وجه وهو كالجزع من الحر والبرد والمرض والموت.

المشهد الثاني:مشهد الصبر

فيشهده ويشهد وجوبه وحسن عاقبته وجزاء أهله وما يترتب عليه من الغبطة والسرور ويخلصه من ندامة المقابلة والانتقام، فما انتقم أحد لنفسه قط إلا أعقبه ذلك ندامة، وعلم أنه إن لم يصبر اختياراً على هذا وهو محمود، صبر اضطراراً على أكبر منه وهو مذموم.

المشهد الثالث:مشهدالعفو والصفح والحلم

فإنه متى شهد ذلك وفضله وحلاوته وعزته، لم يعدل عنه إلالعشي في بصيرته فإنه ما زاد الله عبداً بعفوٍ إلا عزاً كما صح ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم وعلم بالتجربة والوجود وما انتقم أحد لنفسه إلا ذل.
هذا وفي الصفح والعفو والحلم من الحلاوة والطمأنينة والسكينة وشرف النفس وعزها ورفعتها عن تشفيها بالانتقام، ما ليس شيء منه في المقابلة والانتقام.

المشهدالرابع:مشهد الرضى

وهو فوق مشهد العفو والصفح وهذا لا يكون إلا للنفوس المطمئنة، سيّما إن كان ما أصيبت به سببه القيام لله، فإذا كان ما أصيب به في اللهو في مرضاته ومحبته، رضيت بما نالها في الله.
وهذا شأن كل محب صادق يرضى بمايناله في رضى محبوبه من المكاره، ومتى تسخّط به وتشكّى منه كان ذلك دليلاً على كذبه في محبته، والواقع شاهد بذلك، والمحب الصادق كما قيل:
من أجلك جعلت خدّي أرضاً......للشامت والحسود حتى ترضى
ومن لم يرض بما يصيبه في سبيل محبوبه فلينزل عن درجة المحبة وليتأخر فليس من ذي الشأن.

المشهد الخامس:مشهدالإحسان

وهو أرفع مما قبله وهو أن يقابل إساءة المسيء إليه بالإحسان فيحسن إليه كلما أساء هو إليه، ويهون هذا عليه علمه بأنه قد ربح عليه وأنه قد أهدى إليه حسناته ومحاها من صحيفته وأثبتها في صحيفة من أساء إليه، فينبغي لك أن تشكره وتحسن إليه بما لا نسبة له إلى ما أحسن به إليك.
وههنا ينفع استحضار مسألة اقتضاء الهبة الثواب، وهذا المسكين قد وهبك حسناته فإن كنت من أهل الكرم فأثبه عليها لتثبت الهبةوتأمن رجوع الواهب فيها، وفي هذا حكايات معروفة عن أرباب المكارم وأهل العزائم .
ويهوّنه عليك أيضاً: علمك بأن الجزاء من جنس العمل فإن كان هذا عملك في إساءة المخلوق إليك عفوت عنه وأحسنت إليه مع حاجتك وضعفك وفقرك وذلّك، فهكذا يفعل المحسن القادر العزيز الغني بك في إساءتك، يقابلها بما قابلت به إساءة عبده إليك، فهذالابد منه، وشاهده في السنة من وجوه كثيرة لمن تأملها.

المشهد السادس:مشهد السلامة وبرد القلب

وهذا مشهد شريف جداً لمن عرفه وذاق حلاوته وهو أن لايشتغل قلبه وسره بما ناله من الأذى وطلب الوصول إلى درك ثأره وشفاء نفسه، بل يفرغ قلبه من ذلك ويرى أن سلامته وبرده وخلوه منه أنفع له وألذ وأطيب وأعون على مصالحه،فإن القلب إذا اشتغل بشيء فاته ما هو أهم عنده وخير له منه، فيكون بذلك مغبوناً،والرشيد لا يرضى بذلك ويرى أنه من تصرفات السفيه، فأين سلامة القلب من امتلائه بالغل والوساوس وإعمال الفكر في إدراك الانتقام؟!

المشهد السابع:مشهدالأمن

فإنه إذا ترك المقابلة والانتقام أمِن ما هو شر من ذلك، وإذا انتقم واقعه الخوف ولا بد، فإن ذلك يزرع العداوة، والعاقل لا يأمن عدوه ولو كان حقيراً فكم من حقير أردى عدوه الكبير، فإذا غفر ولم ينتقم ولم يقابل، أمِن من تولد العداوة أوزيادتها ولابد أن عفوه وحلمه وصفحه يكسر عنه شوكة عدوه ويكف من جزعه بعكس الانتقام،والواقع شاهد بذلك أيضاً.

المشهد الثامن:مشهد الجهاد

وهو أن يشهد تولد أذى الناس له من جهاده في سبيل الله وأمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر وإقامةدين الله وإعلاء كلماته.
وصاحب هذا المقام قد اشترى الله منه نفسه وماله وعرضه بأعظم الثمن فإن أراد أن يسلم إليه الثمن فليسلم هو السلعة ليستحق ثمنها، فلا حق له على من آذاه ولا شيء له قبله إن كان قد رضي بعقد هذا التبايع فإنه قد وجب أجره على الله.
وهذا ثابت بالنص وإجماع الصحابة رضي الله عنهم ولهذا منع النبي صلى الله عليه وسلم المهاجرين من سكنى مكة -أعزها الله- ولم يرد على أحد منهم داره ولا ماله الذي أخذه الكفار ولم يضمنهم دية من قتلوه في سبيل الله.
ولما عزم الصديق رضي الله عنه على تضمين أهل الردة ما أتلفوه من نفوس المسلمين وأموالهم قال له عمر بن الخطاب رضي الله عنه بمشهد من الصحابة رضي الله عنهم: تلك دماء وأموال ذهبت في اللهوأجورها على الله ولا دية لشهيد فأصفق الصحابة على قول عمر ووافقه عليه الصديق.
فمن قام لله حتى أوذي في الله: حرم الله عليه الانتقام كما قال لقمان لابنه:{يابُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاَةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَآ أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ} [لقمان:17]

المشهد التاسع: مشهد النعمة

وذلك من وجوه أحدها: أن يشهد نعمة الله عليه في أن جعله مظلوماً يترقب النصر ولم يجعله ظالماً يترقب المقت والأخذ، فلو خيّر العاقل بين الحالتين ولابد من إحداهما، لاختارأن يكون مظلوماً.
ومنها: أن يشهد نعمة الله في التكفير بذلك من خطاياه فإنه ماأصاب المؤمن هم ولا غم ولا أذى إلا كفر الله به من خطاياه، فذلك في الحقيقة دواءيستخرج به منه داء الخطايا والذنوب ومن رضي أن يلقى الله بأدوائه كلها وأسقامه ولم يداوه في الدنيا بدواء يوجب له الشفاء: فهو مغبون سفيه؛ فأذى الخلق لك كالدواءالكريه من الطبيب المشفق عليك فلا تنظر إلى مرارة الدواء وكراهته ومن كان على يديه وانظر إلى شفقة الطبيب الذي ركبه لك وبعثه إليك على يدي من نفعك بمضرته.
ومنها: أن يشهد كون تلك البلية أهون وأسهل من غيرها فإنه ما من محنة إلا وفوقها ما هو أقوىمنها وأمرّ، فإن لم يكن فوقها محنة في البدن والمال فلينظر إلى سلامة دينه وإسلامه وتوحيده وأن كل مصيبة دون مصيبة الدين فهينة وأنها في الحقيقة نعمة والمصيبةالحقيقية مصيبة الدين.
ومنها: توفية أجرها وثوابها يوم الفقر والفاقة وفي بعض الآثار: أنه يتمنى أناس يوم القيامة لو أن جلودهم كانت تقرض بالمقاريض لما يرون من ثواب أهل البلاء.
هذا وإن العبد ليشتد فرحه يوم القيامة بما له قِبَل الناس من الحقوق في المال والنفس والعرض، فالعاقل يعد هذا ذخراً ليوم الفقر والفاقة ولايبطله بالانتقام الذي لا يجدي عليه شيئاً.

المشهد العاشر:مشهد الأسوة

وهو مشهد شريف لطيف جداً، فإن العاقل اللبيب يرضى أن يكون له أسوة برسل الله وأنبيائه وأوليائه وخاصته من خلقه فإنهم أشد الخلق امتحاناً بالناس وأذى الناس إليهم أسرع من السيل في الحدور. ويكفي تدبر قصص الأنبياء عليهم السلام مع أممهم وشأن نبينا صلى الله عليه وسلم وأذى أعدائه له بما لم يؤذه من قبله.
وقد قال له ورقة بن نوفل: لتُكذّبن ولتُخرجن ولتُؤذين وقال له: ما جاء أحد بمثل ما جئت به إلاعودي، وهذا مستمر في ورثته كما كان في مورثهم صلى الله عليه وسلم.
أفلا يرضى العبد أن يكون له أسوة بخيار خلق الله وخواص عباده: الأمثل فالأمثل ومن أحب معرفةذلك فليقف على محن العلماء وأذى الجهّال لهم وقد صنف في ذلك ابن عبدالبر كتاباً سماه محن العلماء.

المشهد الحادي عشر:مشهد التوحيد


وهو أجلّ المشاهدوأرفعها، فإذا امتلأ قلبه بمحبة الله والإخلاص له ومعاملته وإيثار مرضاته والتقرب إليه وقرة العين به والأنس به واطمأن إليه وسكن إليه واشتاق إلى لقائه واتخذه ولياً دون من سواه بحيث فوّض إليه أموره كلها ورضي به وبأقضيته وفنى بحبه وخوفه ورجائه وذكره والتوكل عليه عن كل ما سواه: فإنه لا يبقى في قلبه متسع لشهود أذى الناس له البتة، فضلاً عن أن يشتغل قلبه وفكره وسره بتطلب الانتقام والمقابلة.

فهذالا يكون إلا من قلب ليس فيه ما يغنيه عن ذلك ويعوضه منه، فهو قلب جائع غير شبعان فإذا رأى أي طعام رآه هفت إليه نوازعه وانبعثت إليه دواعيه، وأما من امتلأ قلبه بأعلى الأغذية وأشرفها: فإنه لا يلتفت إلى ما دونها وذلك فضل الله يؤتيه من يشاءوالله ذو الفضل العظيم.

الإستغفار ... فَتْحُُ ربّانىُُُُُ





بسم الله الرحمن الرحيم



قال تعالى - عز من قائل – :
(فَقُلْتُ إسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا يُرْسِلِ السَّمَاء عَلَيْكُم مِّدْرَارًا وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَل لَّكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَل لَّكُمْ أَنْهَارًا ..) نوح 10:12

وعن أبى هريرة قال : سمعت النبي صلى
الله عليه وسلم قال : (( إن عبدا أصاب ذنبا وربماقال أذنب ذنبا فقال رب أذنبت وربما قال أصبت فإغفر لي فقال ربه أَعْلِمْ عبدي أن له ربا يغفر الذنب ويأخذ به غفرت لعبدي ثم مكث ما شاء الله ثم أصاب ذنبا أو أذنب ذنبا فقالرب أذنبت أو أصبت آخر فإغفره فقال أَعْلِمْ عبدي أن له ربا يغفر الذنب ويأخذ به غفرت لعبدي ثم مكث ما شاء الله ثم أذنب ذنبا وربما قال أصاب ذنبا قال قال رب أصبت أو قال أذنبت آخر فاغفره لي فقال أَعْلِمْ عبدي أن له ربا يغفر الذنب ويأخذ به غفرت لعبدي ثلاثا فليعمل ما شاء )) . متفق عليه

يروى عن لقمان عليه السلام أنه قال لإبنه :
يا بني، عوِّد لسانك : اللهم إغفر لي ، فإن لله ساعات لا يردُ فيها سائلاً.

قال الحسن – رضى
الله عنه - :
أكثروا من الإستغفار في بيوتكم ، وعلى موائدكم ، وفي طرقاتكم ، وفي أسواقكم ، وفي مجالسكم ، فإنكم لا تدرون
متى تنزل المغفرة .

الإستغفار ... نعمة مجهولة وطريق ٌُُ للنور :


حدثت قصة في زمن الإمام
أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى ، حيث كان الإمام أحمد بن حنبل يريد أن يقضي ليلته في المسجد ، ولكن مُنع من المبيت في المسجد بواسطة حارس المسجد , وقد حاول مع الإمام ولكن لا جدوى ، فقال له الإمام سأنام موضع قدمي ، وبالفعل نام الإمام أحمد بن حنبل مكان موضع قدميه ، فقام حارس المسجد بجرّه لإبعاده من مكان المسجد ، وكان الإمام أحمد بن حنبل شيخ وقور تبدو عليه ملامح الكبر ، فرآه خباز فلما رآه يُجرّ بهذه الهيئة عرض عليه المبيت ، وذهب الإمام أحمد بن حنبل مع الخباز ، فأكرمه ونعّمه ، وذهب الخباز لتحضير عجينه لعمل الخبز ، فسمع الإمام أحمد بن حنبل الخباز يستغفر ويستغفر ، ومضى وقت طويل وهو على هذه الحال فتعجب الإمام أحمد بن حنبل ، فلما أصبح سأل الإمام أحمد الخباز عن إستغفاره في الليل ، فأجابه الخباز : أنه طوالما يحضر عجينه ويعجن فهو يستغفر ، فسأله الإمام أحمد : وهل وجدت لإستغفارك ثمره ، وقد سأل الامام أحمد الخبازهذا السؤال وهو يعلم ثمرات الإستغفار ، فقال الخباز : نعم ، والله ما دعوت دعوة إلا أُجيبت ، إلا دعوة واحدة فقال الإمام أحمد : وما هي فقال الخباز : رؤية الإمام أحمد بن حنبل فقال الإمام أحمد : أنا أحمد بن حنبل ، والله إني جُررت إليك جراً .

الإستغفار ... حياة الروح :


أَكثر من الإستغفار .. يَقْرُبُ الفرج .
أكثر من الإستغفار .. فالله غفور .
أَكثر من الإستغفار .. فالله لن يُضيّعك .
أَكثر من الإستغفار .. فالدنيا ساعة وستفنى .
أَكثر من الإستغفار .. فالعمر حتما زائل وإن كان يطول .
أَكثر من الإستغفار .. يكن الله معك .
أَكثر من الإستغفار ... كما كان هدى نبيك .. مستغفرا دائما .
أَكثر من الإستغفار .. تملك قلبا طاهرا ونفسا مطمئنة .
أَكثر من الإستغفار .. فكم نادى به الله فى القرآن الكريم .
أَكثر من الإستغفار .. تتطهر من الخطايا .
أَكثر من الإستغفار .. يهدأ بالك وترتاح نفسك .
أَكثر من الإستغفار .. تكون به نعم المُتوكل على ربه والمنيب إليه والخاضع المتذلل .

*************

أَكثر من الإستغفار .. فكم من إستغفار كان سببا فى تحويل فشل إلى نجاح وتمّيز .
أَكثر من الإستغفار .. فكم من إستغفار كان سببا فى تحويل محنة إلى منحة .
أَكثر من الإستغفار .. فكم من إستغفار كان سببا فى تحويل مرض إلى عافية .
أَكثر من الإستغفار .. فكم من إستغفار كان سببا فى تحويل ضيق إلى سعة .
أَكثر من الإستغفار .. فكم من إستغفار كان سببا فى شفاء معيون ومحسود ومسحور .
أَكثر من الإستغفار .. فكم من فقير بالإستغفار صار ميسوراً وذا مال .
أكثر من الإستغفار .. فكم من مديون سدّد الله عنه دينه وعافاه من غلبة الدَيْن وقهر الرجال .
أَكثر من الإستغفار .. فكم من الشباب طال شوقه للزواج لضيق اليد ثم بالاستغفار تزوج وفرح .
أَكثر من الإستغفار .. فكم من الفتيات طال إنتظارهن للستر والعفاف ثم أكثرن من الإستغفار فتزوجن وفرحن .
أَكثر من الإستغفار .. فكم من عقيم شفاه الله بالإستغفار ورُزق البنين والبنات بعدما ذهب حلمه ومات .
أَكثر من الإستغفار .. فكم من حُلم تحقق بالإستغفار , وكم من أمل صار واقعا ومحققا بالإستغفار .
أَكثر من الإستغفار .. فكم من ليل طال سواده ثم بالإستغفار تحوّل لحظة لفجر جديد وصبح مجيد وعيد سعيد .
أَكثر من الإستغفار .. فالجنة تشتاق والنبى ينتظرك والحور الحسان تتهيأ للمستغفرين .

*******************

أَكثر من الإستغفار .. حتى تذهب عنك الوساوس والمخاوف .
أَكثر من الإستغفار .. حتى تنجح و لاتفشل ولا تخسر .
أكثر من الإستغفار .. حتى تكيد إبليس وتقهره .. فالإستغفار إهلاك له وعليه دمار .
أَكثر من الإستغفار .. حتى يحبك الله .. فالله حبيب المستغفرين .
أَكثر من الإستغفار .. حتى يُسرع إليك اليسر مهرولا بعد العسر .

********************

َأكثر من الإستغفار .. فإن بالإستغفار مع الصبر يأتى النصر .
أَكثر من الإستغفار .. فإن من طَرَقَ باب الله بالإستغفار لايخيب وحتما سيُفتَح .
أَكثر من الإستغفار .. يكن الله معك ..ومن كان الله معه فماذا يكون قد فقد .
أَكثر من الإستغفار .. فإن لزومه يكفيك من كل همّ وغمّ .
أَكثر من الإستغفار .. فإن من إشتغل بالإستغفار أعطاه ربه مالم يعطى السائلين .
أكثر من الإستغفار .. فهو يُبدّد ظُلْمَة القلب .

إعْلَمْ ..

إعلم أن الإكثار من الإستغفار .. هو من لزوم شِيَمِ المؤمنين .
إعلم أن الإكثار من الإستغفار .. هو رجوع إلى الله وإيمان به وتصديق ويقين .
إعلم أن الإكثار من الإستغفار .. هو حقيقة من حقائق الخوف والوجل من الله .
إعلم أن الإكثار من الإستغفار .. .. هو إيمان بالربوبية لله وتفرده بالألوهية ووحدانيته بالوحدانية .
إعلم أن الإكثار من الإستغفار ... يعنى إيمانك بالحساب والجنة والنار .

إن أكثرت الإستغفار لله :

إن أكثرت الإستغفار لله .. فثق به ولاتيأس من رَوحه أبداً .
إن أكثرت الإستغفار لله ... فثق به ولا تقنط من رحمته يوماً .
إن أكثرت الإستغفار لله .. فثق أن الدنيا مهما ضاقت فى وجهك , والأبواب مهما غُلّقت والأسباب مهما تقطّعت . فستنفتح فتحا مبينا وستيسر تيسيرا عظيماً .
إن أكثرت الإستغفار لله .. فُزْتَ , فإنّ من لم يستغفر كثيرا صار متمردا علي الله خارجا عنه متبعا للشيطان وهواه .
إن أكثرت الإستغفار لله .. فلا تقنط , فالقنوط من دلائل الضلال .

إجعل مشروعك .. إستغفارُ للغفّار
حين تكثر الذنوب على إبن آدم يحصل الضعف فى إرادته وتلين عزيمته وتتأثر نفسه وتكاد تنهار عند مواجهة أى مشكلة من مشكلات الحياة ومتاعبها التي تواجهنا كل دقيقة وكل يوم .
وحين يفشل مثل هذا الآدمى المؤمن في موقف ما فإنه قد يصاب بالإحباط الذي يكون بمثابة همّ ثقيل يمنعه من العيش بصورة طبيعية فيرتبك ويقبع ولايقدر على العمل والإنتاج لتغيير واقعه بسبب عدم الإستغفار وسيطرة الإحباط أو اليأس على نفسه وخوفه من كل ما هو آت فى المستقبل , فهذا الآدمى فى حقيقته ماهو إلا إنسان قد غفل تماما عن حقيقة الإستغفار العظيمة التى بها ينفتح على مولاه وينطرح بين يديه لعظمته وهيبته وينال من كل أمر مبتغاه ومايتمناه .
وهذا فى نهايته ماهو إلا بمثابة إعصار نفسى سيء قد أصاب نفسه به وبنفسه لإبتعاده عن الإستغفار .. لأن عدم الإستغفار يقعد بالهمم عن العمل ويشتت القلب بالألم ويقتل فيه روح الأمل .
إن العبد المؤمن الكثير الإستغفار لربه لايمكن لليأس أن يتمكن منه أبداً .. ولا للإحباط أن يعرف إليه سبيلا .


وهذه حياة المستغفرين :

فهو يواجه أمور حياته كلها بالإستغفار .. فيصبح ذا إرادة قوية ولجوء تام إلى خالقه وعزم صادق وإيمان راسخ وثقة فى
الله لاتتزعزع ويعمل بإستمرار على الأخذ بأسباب الهداية والثبات .. ويقرأ القرآن دائما فتنبعث فى نفسه روح الأمل والتفاؤل عندما يقرأ قوله تعالى : { ربنا لاتزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب } ال عمران8 , وهو يؤمن بأن الأمور مهما تعقدت ، والخطوب مهما إشتدت ، والعسر مهما تعسر ، فالفرج من الله قريب طالما أن الألسن تلهج لبارئها أبدا تستغفره ليل نهار : ( حَتَّى إِذَا إسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّواْ أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُواْ جَاءهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَن نَّشَاءوَلاَ يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ ) يوسف 110 .

إن الإنسان مادام على قيد الحياة حياً يتحرك فلا بد له أن يكثر من الإستغفار , فنحن أنفس بشرية قد ينتابها الضعف فى كثير من الأحيان وعندها لا تجد سبيلا للراحة إلا بحسن الإنطراح بين يدى الخالق العظيم بإستغفار كثير ,
فطوبى لمن وجدفى صحيفته يوم القيامة إستغفارا كثيرا . - وأنه يجب أن يكثر المسلم من الإستغفار حتى يبعث في نفسه روح الأمل وجميل الظن بالله , فيراجع نفسه دائما ويوبّخها باحثاً عن أسباب عدم التوفيق والتعسر ليتجنبها في المستقبل لكونها قد تكون سببا فى التعسّر , فيرجو من ربه تحقيق المقصود ويجعل رايته دائما :

* ( سَأُستغفرُ ربى ماحييت ) *

خاتمة :
نستغفر الله من الذنوب التي تحل النقم . ومن الذنوب التي تغيـِّر النعم ومن الذنوب التي تورث الندمومن الذنوب التي تحبس القسم , ومن الذنوب التي تعجِّلُ الفناء , ومن الذنوب التي تقطعُ الرجاء , ومن الذنوب التي تمسك غيث السماء , ومن الذنوب التي تكشف الغطاء , نستغفر الله العظيم حياءً من الله نستغفر الله العظيم رجوعاً إلى الله نستغفر الله العظيم تندماً وإسترجاعاً نستغفر الله العظيم فراراً من غضبِ الله إلى رضاءالله نستغفر الله العظيم فراراً من سخطِ الله إلى عفوِالله أستغفر الله العظيم الذي لا إله إلا هو الحي القيوم وأتوب إليهمن الإفراط والتفريطومن التخبيط والتخليط ومن مقارفة الذنوبومن التدنس بالعيوبومن عدم الحضور في الصلاة ومن جميع التقصير فيها وفي الزكاةومن القنوط من رحمة الله ومن عدم القيام بحق الله وخلق اللهومن عدم التشميرِ لطاعةِ الله ومن عقوقِ الآباءِ والأمهاتِومن الظلمات والتبعاتومن الخُطى إلى الخطيئاتومن قطيعةِ الأرحامومن إكتسابِ الآثامومن حُبِ الجاهِ والمالومن شهوةِ القيلِ والقالومن رؤية النفس بعين التعظيم ومن نهر السائل وقهر اليتيمومن الكذب والحسدومن الغيبة والنميمة ومن سائر الأخلاق المذمومة ومن سائر الذنوب القلبية و القالبية ومن إتباع الهوى وهجر التقوى والميل إلى زخارف الدنياومن جميع ما يكره الله ظاهراً وباطناً نستغفرالله العظيم الذي لا إله إلا هو الحي القيوم ونتتوب إليهمن كلذنب يصرف عنا رحمتك أو يحل بنا نقمتك أو يحرمنا كرامتك أو يزيل عنا نعمتكومن كل ذنب يورث الأسقام والضنا ويوجب النقم والبلاء ويكون يوم القيامة حسرةً وندامة .ومن كل ذنب تبنا اليك منه ونقضنا فيه العهد فيما بيننا وبينك جراءة منا عليك لمعرفتنا بعفوك .ومن كل ذنب يزيل النعم ويحل النقم ويهتك الحرام ويورث الندم ويطيل السقم ويعجل الألم ومن كل ذنب يمحق الحسنات ويضاعف السيئات ويحل النقمات ويغضبك يارب السمواتومن كل ذنب يميت القلب ويجلب الكرب ويشغل الفكر ويرضي الشيطانَ وَيسخِطُ الرحمنومن كل ذنب يعقبُ اليأسَ من رحمتك والقنوط من مغفرتك والحرمان من سعة ما عندك ومن كل ذنب يوجب سواد الوجه يوم تبيض الوجوه وتسوّد الوجوهومن كل ذنب يدعو إلى الكفر ويطيل الفكر ويورث الفقر ويجلب العسر ويصد عن الخير ويهتك الستر ويمنع اليسرومن كل ذنب يُدنـي الآجال ويقطع الآمال ويشين الأعمال ومن كل ذنب يدنِّس منا ما طهرته ويكشف عنا ما سترته أو يقبِّح منا ما زيَّنتهومن كل ذنب لاينال به عهدك ولا يُؤمن معهمن غضبك ولا تنزل معه رحمتك ولا تدوم معه نعمتك. ومن كل ذنب يورث النسيان لذكرك أو يعقب الغفلة عن تحذيرك أو يتمادى به الأمن من مكرك أو ينسِّينا من خير ما عندك .ومن كل ذنب جرى به قلمكَ وأحاط به علمكَ فينا وعلينا إلى آخر عمرنا ولجميع ذنوبنا كلها أولها وآخرهَا عَمْدُها وخطؤها قليلها وكثيرها صغيرها وكبيرها قديمها وحديثها خفيُّها وعلانيتها نستغفر الله العظيم الذي لا إله إلا هو الحي القيوم ونتتوب إليه إستغفاراً يزيد في كل طرفة عين وتحريك نفس مائة ألفضعف يدوم مع دوام الله ويبقى مع بقاء الله الذي لا فناء ولازوال ولا إنتقال لملكه أبد الآبدين ودهر الداهرين سرمداً من سرمدك إستجب يا الله يا أرحم الراحمين .


كيف نحيا بالقرآن


كيف كان حال السلف مع القرآن؟ وكيف أصبحت حالنا معه؟ ولماذا ضعفت منزلة القرآن في نفوسنا وصارت صلتنا به أقل من صلتنا بالجرائد ووسائل الإعلام؟
ما الذي تغيَّر حتى صرنا إلى هذه الحال؟ هل تغيَّر القرآن؟ أم تغيرنا نحن في عيشنا وحياتنا مع القرآن؟ وما مقياس الأمم في رِفعَتِها وضَعَتِها وفي عزَّتها وذُلِّها؟
روى مسلم في صحيحه عن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إنَّ الله - تعالى - يرفع بهذا الكتاب أقواماً، ويضع به آخرين».
وهذا يشمل الفرد، والقوم، ويشمل أيضاً الأمة، فمن أقبل على القرآن من هؤلاء نال الرفعة والمكانة، ومن أعرض عنه عوقب بالذلة والمهانة.
وبهـذا الميـزان النبـوي للقـرآن عـرف سـلفنا الصـالح - رحمهم الله تعالى - مكانة القرآن ومنزلته وأثره، فجعلوا القرآن عماد حياتهم، تلاوةً وتعلُّماً وتعليماً وعملاً؛ فالصغير ينشأ بتعلُّم القرآن، والأسرة تُربَّى بالقرآن، والعلم يُفتَتَح بتعلُّم القرآن وحِفْظِه، ومدارس العلم كلها أساسها وعمادها القرآن، ومساجدهم معمورة بالقرآن، وعباداتهم وصلواتهم، ومجالسهم وسَمَرهم، وأسفارهم وتنقلاتهم، وجهادهم وفتوحاتهم... كل ذلك إنما عماده القرآن، أما أحكامهم وقضاياهم وعلاقاتهم، فلا تخرج عنه أبداً.
لقد كانت - حقاً - أمة تعيش وتحيا بالقرآن؛ فكان من أمرها ما كان، وهذه بعض صور تعامل سلفنا الكرام مع هذا الكتاب العزيز:
1 - عــن أبي موسى - رضي الله عنه - قــال: قــال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إني لأعرف أصوات رفقة الأشعريين بالليل حين يدخلون، وأعرف منازلهم من أصواتهم بالقرآن بالليل؛ وإن كنت لم أرَ منازلهم حين نزلوا بالنهار»
(البخاري ومسلم).
2 - وعن أبي الأحوص الجشمي قال: إن كان الرجل ليطرق الفسطاط طروقاً - أي يأتيه ليلاً - فيسمع لأهله دوياً كدوي النحل (أي بالقرآن). قال: «فما بال هؤلاء يأمنون، ما كان أولئك يخافون؟»( رواه ابن المبارك في الزهد بإسناد صحيح).
فهذه حالهم وصفتهم مع القرآن، وهي صفة عامة لأمصار المسلمين؛ ولذا كانوا يأمنون ولا يخافون. قال ابن مسعود - رضي الله عنه -: «إن هذا القرآن مأدبة الله؛ فمن دخل فيه فهو آمن».
3 - وعن الحسن البصري - رحمه الله - أنه قال: «إن من كان قبلكم رأوا القرآن رسائل من ربهم، فكانوا يتدبرونها بالليل وينفِّذونها بالنهار».
وهكذا القرآن: عبادة وذكر لله - تعالى - مع تدبر وتفهُّم يعقبه تطبيق وعمل.
4 - وحامل القرآن هو حامل لراية الإسلام في كل ما تحتاجه هذه الراية من عزم وقوة، وجِدٍّ وفتوة. قال الفضيل بن عياض - رحمه الله -: «حامل القرآن حامل راية الإسلام، لا ينبغي له أن يلهو مع من يلهو، ولا يسهو مع من يسهو، ولا يلغو مع من يلغو، تعظيماً للقرآن».
5 - أما أحوال السلف مع القرآن تدبراً وخشوعاً فأمر معروف؛ حتى إن الإمام التابعي الثقة قاضي البصرة زرارة بن أوفى العامري الحرشي (أبو حاجب البصري) الذي روى له الجماعة وكان من العباد، روى بَهز بن حكيم قصة وفاته فذكر أنه أمَّهم في الفجر في مسجد بني قشير فقرأ حتى بلغ قوله - تعالى -: {فَإذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ . فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ} [المدثر: ٨ - ٩] فخرَّ ميتاً. قال بهز: فكنت فيمن حمله.
لقد كان القرآن عند سلفنا أساسَ الحياة، وأساس المناهج لا يزاحمه أي علم أو أي منهج آخر، وكانت العلوم الأخرى كلها تأتي بعده تبعاً.
فالذي يدخل في الإسلام كان أوَّل ما يتعلمه القرآن.
والوفود التي كانت تفد على رسول الله صلى الله عليه وسلم كانت تتعلم القرآن وتأخذ معها ما تستطيعه منه.
وكان مقياس الرجال ومعرفة أقدارهم تبدأ بمدى معرفتهم وحفظهم للقرآن.
فهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم يقدِّم الشاب الصغير عمرو بن سلمة على مشيخة قومه وكبارهم ؛ حيث أمرهم أن يؤمهم أقرؤهم، فنظروا، فلم يكن أحد أكثر منه قرآناً من الركبان فقدموه بين أيديهم وهو ابن ست أو سبع سنين... الحديث.
وهذا عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - وهو خليفة جعل شُوَّاره من القراء، وأدخل معهم عبد الله بن عباس - على صغره - لتميُّزه بحفظ القرآن والعلم به؛ فعن ابن عباس- رضي الله عنهما - قال: «كان القراء أصحابَ مجلس عمر - رضي الله عنه - ومشاورته كهولاً كانوا أو شباباً»(البخاري).
وحِفْظُ القرآن كان أول ما يُبدَأ به في تعليم الصغار. وحِلَق الشيوخ كانت تبدأ بالقرآن بالنسبة لطلاب العلم. وعيب كبير أن يبدأ طالب علم بفن من الفنون الشرعية قبل تعلُّم القرآن وحفظه. ومحفوظات الطلاب كانت تتركز في البداية على القرآن.
والخلاصة: أن التعليم في الأمة الإسلامية كلها كان أساسه وعماده القرآن وعلومه وتفسيره.
هذا حال سلفنا مع القرآن؛ فقارِنوه بأحوال أمة الإسلام في عصرها الحاضر، فستجدون سؤالاً يثور في نفوسكم: ولكن كيف ضعفت هيبة القرآن في نفوسنا وحياتنا ومعاملاتنا؟ وهل هناك وسيلة أو وسائل يمكن أن تعود بها تلك المنزلة لهذا القرآن العظيم؟
والجواب: نعم! هناك وسائل كثيرة؛ لأنَّ القرآن باقٍ ومحفوظٌ لم يتغير ولن يتغير مهما تغيرنا نحن أو حاول أعداؤنا أن يغيرونا أو يصرفونا عنه.
وإنِّي ذاكرٌ عدداً من المسائل والقضايا حول هذا الموضوع الكبير: كيف نحيا وأمةَ الإسلامِ بالقرآنِ؟
أولاً: المعرفةُ والإدراكُ الحقيقي لمنزلةِ هذا القرآنِ، وأنه كلامُ الله - تعالى - لا يُقاسُ بكلام البشرِ مهما كانوا، وينبني على هذا أمرٌ مهمٌّ، ألا وهو الثقةُ بنصوصِهِ ثقةً مطلقةً، والتصديقُ الجازمُ بكلِّ ما جاء به من حقائقَ وأحكام، تتعلق بالفرد وبالأمة في جميع شؤونها العبادية والأخلاقية والاجتماعية والنفسية والتشريعية...
فلا مجال لصوت أنْ يعلو فوق القرآن، ولا لمتعالمٍ أنْ يتعالمَ على القرآنِ، فيعمـلَ في نصـوصِه تحـريفاً وتعطيلاً، أو أن يُشكِّكَ في شيءٍ منْ حقائقِ القرآن ومعانيه، أو أن يأخذَ منه ما يَشتهي ويتركَ ما خالفَ من هواه، أو أن يجعلَه عِضِين مفرَّقاً يؤمنُ ببعضِه ويكفرُ ببعضِه الآخرِ؛ وإنما هو التسليم الكامل لله - تعالى -: {وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلاً} [النساء: ٢٢١] {وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثاً} [النساء: ٧٨].
وهذا التسليم لا يخـاطبُ به فئـة معينة كالحكـام - مثلاً وهم مخاطبون - وإنَّما يخاطب به كل فرد في خاصة نفسه وحياته وعباداته ومعاملاته. وينبغي لكل مسلم أن يعلمَ أنَّ هذا القرآن كما وصفه علي بن أبي طالب - رضي الله عنه -: (فيه نبأ ما قبلكم، وخبرُ ما بعدكم، وحُكْمُ ما بينكم، هو الفصل ليس بالهزل، من تركه من جبار قصمه الله، ومن ابتغى الهدى في غيره أضله الله، وهو حبل الله المتين، ونوره المبين، وهو الذكر الحكيم، وهو الصراط المستقيم، وهو الذي لا تزيغ به الأهواء، ولا تلتبس به الألسنة، ولا يشبع منه العلماء، ولا يَخْلَق عن كثرة الرد، ولا تنقضي عجائبه، وهو الذي لم تنتهِ الجن إذ سمعته حتى قالوا: {إنَّا سَمِعْنَا قُرْآناً عَجَباً . يَهْدِي إلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَن نُّشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَداً} [الجن: ١ - ٢].
من قال به صدق، ومن عمل به أُجِر، ومن حكم به عدل، ومن دعا إليه هُدِي إلى صراط مستقيم).
إنَّ من المؤسف أننا قد نصدِّق بهذا نظرياً، لكننا في الحقيقة نكاد نشكك فيه عملياً. وهذا من أخطر أمراضنا، وهذا يمثل التباين بين النظرية والتطبيق، والقول والعمل، والدعاوى والحقائق في الواقع.
وهناك أمر آخر، وهو أنه قد يظن ظانٌّ أنَّ بعض الحقائق التي جاءت في القرآن، مثل وعد الله بنصرِ المؤمنين، أو كتابة الذلة على اليهود، ونحو ذلك قد تخلفت، فتضعف ثقته بالقرآن، ويظن أنه محتاج إلى أن يتأوَّل أو يحرف النصوص القرآنية لتتوافق مع الواقع.
وهذا خطأ كبيرٌ يؤدي إلى أن يقلب المسألة؛ بحيث يجعل ما يراه في الواقع هو الأصلَ وما جاء في القرآن تابعاً له.
إنَّ الواجب أن نوقن يقيناً تاماً أن ما جاء في القرآن حق وصدق لا شك فيه أبداً، وأنَّ تخلُّف وعد الله أو ما يقرره من حقائق تتعلق بالأمم أو بمخالفي شرع الله وأحكامه من هذه الأمة أو من غيرها من الأمم، إنما هو لتخلف الأسباب التي ذكرها الله - تعالى - مثل تخلِّي المسلمين عن دينهم، أو عدم قيامهم به على الوجه الأكمل، أو وقوعهم في الذنوب والمعاصي التي تجعلهم يستحقون العقوبات... وهكذا.
إنَّ خلاصة هذا الأصل - الذي بدأنا به - أنه يقومُ على أنَّ جميع ما جاء به القرآن حق وصدق لا شك فيه، وأنَّ المسلم - وهو يقرأ القرآن ويتدبر معانيه - عليه أن يستحضرَ ذلك في كل آية، وفي كل قصة، وفي كل حكم، وفي كل أمر وفي كل نهي، وفي كل توجيه جاء به هذا الكتاب الكريم.
إن حقائق القرآن كثيرة، وهي ثابتة لا تتغير بتغير الزمان والمكان والأحوال.
وإليكم نماذج فقط من هذه الحقائق:
- قال - تعالى -: {وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكاً} [طه: ٤٢١].
- وقال - تعالى -: {وَلَن يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْـمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً} [النساء: ١٤١].
- وقال - تعالى - عن اليهود: {ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا إلاَّ بِحَبْلٍ مِّنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِّنَ النَّاسِ} [آل عمران: ٢١١].
- وقال - تعالى -: {إن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ}. [محمد: ٧]
- وقال - تعالى -: {إنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ} [الرعد: ١١].
- وقال - تعالى -: {فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ} [النساء: ٥٦].
- وقال - تعالى - عن الربا: {يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ} [البقرة: ٦٧٢].